الخطيب الشربيني

20

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الفعل المقدّر ليعطف عليه وَشُرَكاؤُكُمْ أي : من كنتم تعبدونه من دون اللّه فَزَيَّلْنا أي : فرّقنا بَيْنَهُمْ أي : بين المشركين وشركائهم وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا ، وذلك حين تبرأ كل معبود من دون اللّه ممن عبده ، وقيل : فرّقنا بينهم وبين المؤمنين كما في آية وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [ يس ، 59 ] والأوّل أنسب بقوله تعالى : وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ لهؤلاء المشركين ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ أي : إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا فأطعتموهم ، واختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء . فقال بعضهم : الملائكة واستشهدوا بقوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ [ سبأ ، 40 ] . ومنهم من قال : هي الأصنام ، والدليل عليه : أنّ هذا الخطاب مشتمل على الوعيد والتهديد ، وذلك لا يليق بالملائكة المقرّبين ، وسموا شركاء ؛ لأنهم جعلوا نصيبا من أموالهم لتلك الأصنام فصيروهم شركاء لأنفسهم في تلك الأموال ، ثم اختلفوا في هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام فقال بعضهم : إنّ اللّه تعالى خلق الحياة والعقل والنطق فيها فقدرت على ذكر هذا الكلام . وقال آخرون : إنّ اللّه تعالى خلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى سمع منها ذلك الكلام . والأوّل أظهر ؛ لأنّ ظاهر قوله تعالى : وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هو الشركاء . فإن قيل : إذا أحياها اللّه تعالى هل يبقيها أو يفنيها ؟ أجيب : بأنّ الكل محتمل فإنّ اللّه تعالى يفعل في خلقه ما يشاء ، وأحوال القيامة غير معلومة إلا القليل الذي أخبر اللّه تعالى عنه في القرآن وعلى لسان أنبيائه . وقال بعضهم : المراد بهؤلاء الشركاء كل من عبد من دون اللّه من إنس وملك وجنّ وشمس وقمر وصنم ، وهذا أظهر ، وعلى هذا والأوّل سموا شركاء ؛ لأنّ اللّه تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله تعالى : مَكانَكُمْ صاروا شركاء في هذا الخطاب ، ولما قال لهم شركاؤهم ذلك قالوا : بل كنا نعبدكم فقال شركاؤهم : فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ فإنّه تعالى العالم بكنه الحال . إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ أي : لم نأمر بها ولم نعلم بها ، وعلى القول بأنها الأصنام فتقول : ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ، فإنها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور البتة . تنبيه : إن هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بين الخفيفة والنافية . هُنالِكَ أي : في ذلك الموقف من المكان العظيم الأهوال المتوالي الزلزال تَبْلُوا أي : تختبر كُلُّ نَفْسٍ طائعة وعاصية ما أَسْلَفَتْ أي : ما قدّمت من عمل فتعاين نفعه وضرّه يؤدّي إلى سعادة أو شقاوة . وقرأ حمزة والكسائي بتاءين من التلاوة ، أي : تقرأ ذكر ما قدّمت أو من التلو فيتبع كل شخص عمله فيقوده إلى الجنة والنار والباقون بعد التاء باء موحدة من البلوى وهو الاختبار وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ أي : إلى جزائه إياهم عما أسلفوا فلم يكن لهم قدرة على قصد غيره . مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أي : ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة ولا التفات إلى سواه من تلك الأباطيل ، بل انقطع رجاؤهم من كل ما يدعونه في الدنيا وهو المراد بقوله تعالى : وَضَلَّ عَنْهُمْ أي : ذهب وبطل وضاع . ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي : يتعمدون كذبه من أنّ معبوداتهم شركاء ، وتيقنوا في ذلك المقام أن توليهم لغير اللّه كان باطلا غير حق . ولما بيّن فضائح عبدة الأوثان أتبعها بذكر الدلائل على فساد هذا المذهب بحجج : الحجة الأولى : قوله تعالى : قُلْ أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ